ابن كثير
111
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال لي عمرو بن دينار : أصلب من هذه الحجارة وأعظم . وقيل المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون اللّه كما قال تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية ، حكاه القرطبي والرازي ورجحه على الأول ، قال : لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر فجعلها هذه الحجارة أولى . وهذا الذي قاله ليس بقوي ، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ، ثم أخذ النار بهذه الحجارة أيضا مشاهد ، وهذا الجص يكون إحجارا فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك . وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها ، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال تعالى : كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [ الإسراء : 97 ] وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها قال : ليكون ذلك أشد عذابا لأهلها ، قال : وقد جاء في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كل مؤذ في النار » وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف ، ثم قال القرطبي : وقد فسر بمعنيين ، أحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار ، والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك « 1 » . وقوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ الأظهر أن الضمير في أعدت عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة ، ويحتمل عوده إلى الحجارة كما قال ابن مسعود ، ولا منافاة بين القولين في المعنى لأنهما متلازمان ، وأعدت أي رصدت وحصلت للكافرين باللّه ورسوله كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ : أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر . وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى : أُعِدَّتْ أي أرصدت وهيئت ، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها « تحاجت الجنة والنار » ومنها « استأذنت النار ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف » وحديث ابن مسعود : سمعنا وجبة « 2 » فقلنا ما هذه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها » وهو عند مسلم ، وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى ، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي « 3 » قاضي الأندلس .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي 1 / 236 . وعبارة القرطبي : « والثاني أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار ، معدّ لعقوبة أهل النار » . ( 2 ) الوجبة : صوت الساقط . ووجب القلب وجيبا : خفق واضطرب . ( 3 ) هو منذر بن سعيد بن عبد اللّه القرطبي البلوطي المتوفى سنة 355 ه . نسبته إلى « فحص البلوط » بقرب قرطبة . قال ابن الفرضي في « تاريخ علماء الأندلس » : كان بصيرا بالجدل منحرفا إلى مذاهب أصحاب الكلام .